الشيخ محمد علي طه الدرة

201

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 80 ] اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 ) الشرح : روي : أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي كان من المؤمنين المخلصين ، فسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مرض أبيه أن يستغفر له ، ففعل ، فنزلت ، فقال سيد الخلق ، وحبيب الحق ، الناطق بالصدق : « ولأزيدن على السبعين » . فنزل قوله تعالى : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ وذلك لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم فهم من السبعين العدد المخصوص ؛ لأنه الأصل ، فجوز أن يكون ذلك حدا ، يخالف حكم ما وراءه ، فبين اللّه له : أن المراد به التكثير ، دون التحديد ، وقد شاع استعمال السبعة ، والسبعين ، والسبعمئة ، ونحوها في التكثير ، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد ، فكأنه العدد بأسره ، ولهذا كبر صلّى اللّه عليه وسلّم ، لما صلى على عمه الحمزة رضي اللّه عنه سبعين تكبيرة ، ولأن آحاد السبعين سبعة ، وهو عدد شريف ، فإن السماوات سبع ، والأرضون سبع ، والأيام سبع ، والأقاليم سبع ، والبحار سبع ، والنجوم السيارة سبع ، فلهذا خص اللّه السبعين بالذكر للمبالغة في اليأس من طمع المغفرة لهم . اسْتَغْفِرْ لَهُمْ : هذا أمر ، ومعناه الخبر بدليل ما بعده ، والمراد بهذا الكلام التساوي بين الاستغفار وعدمه في الإفادة ، والمعنى : أطلب لهم المغفرة ، أو لا تطلبها ، فالسين والتاء للطلب ، والفعل يتعدى لاثنين ، أولهما بنفسه ، والثاني بحرف جر ، نحو استغفرت اللّه من ذنبي ، وما في الآية من ذلك ، وقد يحذف حرف الجر ، فيصل إلى الثاني بنفسه ، كقول الشاعر : [ البسيط ] أستغفر اللّه ذنبا لست محصية * ربّ العباد إليه الوجه والقبل وانظر الآية رقم [ 104 ] من سورة ( يونس ) . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ . . . إلخ : إشارة إلى أن اليأس من المغفرة ، وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ، ولا تقصير في واجبك يا محمد ، بل لعدم صلاحيتهم لغفران الذنوب بسبب الكفر الصارف عنها ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ . انظر شرح مثل هذه الجملة في الآية رقم [ 20 ] وانظر شرح الْفاسِقِينَ في الآية رقم [ 145 ] من سورة ( الأعراف ) ، والمراد بهم هنا : الكافرون ، والتعبير عن الكافرين بالفاسقين والمجرمين ، والظالمين ، والمعتدين ، والمسرفين ، وغير ذلك كثير في القرآن الكريم ، ويتهددهم بالعذاب الأليم ويتوعدهم بالعقاب الشديد ، هذا ؛ وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات فهل يتوجه إليهم هذا التهديد ، وهذا الوعيد ؟ والحق أقول : نعم يتوجه إليهم ما ذكره ، وهم أحق بذلك ، ولا سيما من قرأ القرآن ، واطلع على أحوال الأمم السابقة ، وما جرى لهم مع رسلهم ، وكيف نكل اللّه بهم ، وجعلهم عبرة للمعتبرين ، وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ * وانظر الآية رقم [ 13 ] من سورة ( يونس ) عليه السّلام .